مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
207
موسوعه أصول الفقه المقارن
الصورة السادسة : تعارض الندب والكراهة . وذكر في هذه الصورة بأنّ مقتضى الاحتياط هنا تقديم جانب الكراهة على جانب الندب ؛ لأنّه في الترك يدفع اللوم على تقدير الكراهة عن نفسه « 1 » . الصورة السابعة : تعارض التحريم والإباحة . مقتضى الاحتياط هنا تقديم جانب التحريم على جانب الإباحة ، باعتبار أنّ فعل المحرّم يستتبع العقاب ولا يوجد ذلك في المباح ، والاحتياط للذي يستتبع العقاب أولى من الذي لايستتبعه « 2 » . وإليه يشير قوله صلى الله عليه وآله : « ما اجتمع الحلال والحرام إلّاغلب الحرام الحلال » « 3 » . وذكر الجصّاص بأنّ تقديم جانب الحرمة قضية واجبة في حكم العقل « 4 » . الصورة الثامنة : تعارض التحريم والإيجاب . وفي حكم هذه الصورة قولان : القول الأول : أنّ مقتضى الاحتياط تقديم جانب الحرمة على جانب الإيجاب والاحتياط له بالترك . وذلك لوجهين : الوجه الأول : أنّ الغالب في الواجبات هو تحصيل المصالح وجلبها ، والغالب في المحرّمات هو دفع المفاسد ، واهتمام الشارع بدفع المفاسد أشدّ وأكثر من اهتمامه بجلب المصالح « 5 » . الوجه الثاني : أنّ إيصال المحرّمات إلى مقصودها أتمّ من إيصال الواجبات لمقصودها ، فكانت المحافظة على الحرام أولى « 6 » . وهو ما اختاره الأخباريون من الشيعة أيضاً ، واستدلوا له بأخبار التوقّف « 7 » . القول الثاني : التساوي والتخيير لتعذر الاحتياط « 8 » . وهي المسألة المعروفة ب « دوران الأمر بين المحذورين » عند مجتهدي الإمامية « 9 » . الأمر السابع : القواعد المتفرعة عن الاحتياط هناك بعض القواعد أُعملت في الفقه كثيراً ، واستدلوا بها لكونها تفضي إلى الاحتياط في أحكام الشارع . وهي : 1 - سدّ الذرائع الذريعة : هي التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة « 10 » . والملاحظ على هذا التعريف أنّه يختص بالذرائع المحرّمة ، بينما واقع الأمر أنّ الذريعة كما يجب سدّها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح « 11 » ، فالذريعة يمكن أن تتصف بالأحكام الخمسة بحسب ما توصل إليه ، ولذلك عرّفها ابن قيم بقوله : « الذريعة : ما كانت وسيلة وطريقاً إلى الشيء » « 12 » ، وكلّ وسيلة أفضت إلى المأمور به شرعاً كان مقتضى الاحتياط الإتيان بها ، وكلّ وسيلة أفضت إلى شيء ممنوع عنه شرعاً كان مقتضى الاحتياط تركها . فسدّ الذرائع نوع من أنواع الاحتياط ، ووسيلة من وسائل الحفاظ على ما أمر الشارع بتركه « 13 » . ( سدّ الذرائع ) 2 - قاعدة مراعاة الخلاف وهي إعطاء كلّ واحد من الدليلين ما يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه « 14 » . أو هي إعمال المجتهد لدليل خصمه - المجتهد الآخر المخالف له - في لازم مدلوله الذي أعمل في عكسه دليلًا آخر « 15 » . وقريب منه تعريف ابن المشاط له « 16 » . ويمثّل له بذهاب مالك إلى ثبوت التوارث بين الزوجين المتزوجين بالشغار - وهو أن يقول الرجل : زوّجني ابنتك على أن أزوّجك ابنتي - مع أنّه يذهب إلى بطلان النكاح المذكور ، لكنه إنّما أثبت التوارث فيه إعمالًا ومراعاةً لدليل الأحناف ، الذي استند إليه في صحة النكاح المذكور الذي لازمه ثبوت التوارث ، بينهما « 17 » . وأشكل على القاعدة المذكورة بعدم اطّرادها في كلّ
--> ( 1 ) . انظر : شرح الجلال المحلّي على جمع الجوامع 2 : 569 . ( 2 ) . انظر : المعتمد 2 : 185 - 186 ، شرح اللمع 2 : 959 - 960 ، أصول السرخسي 2 : 21 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 484 ، الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 478 ، الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 234 ، شرح مختصر المنتهى 3 : 664 ، حاشية التفتازاني 3 : 665 ، البحر المحيط 6 : 170 ، شرح الجلال المحلّي 2 : 569 ، فواتح الرحموت 2 : 206 . ( 3 ) . عوالي اللآلئ 2 : 132 ح 358 ، المصنّف ( عبد الرزاق ) 7 : 199 ح 12772 . ( 4 ) . أحكام القرآن 2 : 187 . ( 5 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 479 ، شرح مختصر المنتهى 3 : 655 ، حاشية التفتازاني 3 : 665 . ( 6 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 479 . ( 7 ) . انظر : الحدائق الناضرة 1 : 70 - 71 . ( 8 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 2 : 466 ، الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 234 ، البحر المحيط 6 : 172 ، فواتح الرحموت 2 : 206 . ( 9 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 327 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 523 . ( 10 ) . الموافقات 4 : 199 . ( 11 ) . شرح تنقيح الفصول : 449 . ( 12 ) . أعلام الموقّعين 3 : 135 . ( 13 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 179 . ( 14 ) . الموافقات 4 : 151 . ( 15 ) . إيصال السالك : 189 . ( 16 ) . الجواهر الثمينة : 235 . ( 17 ) . انظر : شرح حدود ابن عرفة 1 : 264 - 265 ، المعيار المعرب 6 : 378 ، إيصال السالك : 189 ، الجواهر الثمينة : 235 .